Yahoo!

الدراسة الصوتية بين النشأة والتطور:

كتبها د.محمد موسى ، في 29 أكتوبر 2010 الساعة: 04:37 ص

 

الدراسة الصوتية بين النشأة والتطور:
أولاً : التفكير الصوتي عند غير العرب .
إن البحث في اللغة الإنسانية قديم قدم هذه اللغة نفسها ، وليست لدينا الآن وسيلة نستطيع بها أن نحدد على وجه الدقة متى بدأ الإنسان يفكر بطريقة عملية في أمر هذه اللغة ، ولعل أقدم الوثائق التاريخية التي تشير إلى شيء من ذلك هي تلك التي عُثِر عليها في أرض الرافدين وهي مكتوبة بالخط الأكادي المسماري ، ويرجع تاريخها إلى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد ، وتشير هذه الألواح إلى أمرين مهمين هما :
1- أن الساميين القدماء كانوا أول من عرف الدرس اللغوي في صورة تكاد تشبه الآن وضع المعاجم متعددة اللغة ، حيث اشتملت الألواح على ألفاظ أكادية ، وما يقابلها من اللغة السومرية .
2- الطريقة التي كتبت بها هذه الألواح تشير إلى إدراك الأكاديين للفرق بين عنصري الأصوات الرئيسيين ، وهما : الحروف الصامتة والحركات ، وقد انفردت الكتابة الأكادية بهذه الميزة من بين كافة الكتابات السامية القديمة التي اكتفت بكتابة الحروف الصامتة فقط ، وهذا التمييز يدل على وعْيٍ عميق بالخصائص الصوتية للغة ، وعلى دقة التفكير الصوتي لدى هذه الأمة السامية العريقة . ([1]) .
أ- التفكير الصوتي عند الهنود :
أخذ التفكير الصوتي ينمو لدى أمم لشرق القديم وخطا نحو الصورة العلمية ، وذلك فيما سجله العلماء الهنود عن أصوات لغتهم مدفوعين في ذلك بالرغبة في تلاوة كتابهم المقدس « الفيدا » تلاوة سليمة ، وتركزت هذه الجهود على تفسير وشرح النصوص المكتوبة باللغة الهندية القديمة ، وتوجت هذه الجهود بكتاب ( بانيني ) المسمي بـ ( الكتب الثمان ) ([2])  الذي احتوى أربعة آلاف قاعدة ، تشمل وصفًّا دقيقًّا للغى الهندية القديمة ، من حيث بنائها الصوتي والصرفي والنحوي ، وكان هذا العمل الرائع في القرن الرابع الميلاد .
وقد أشار ( بانيني ) في كتابه هذا إلى أعمال سبقت ، ولكنها بادت الآن ، ومن ثمَّ لا يمكننا التعرف على طبيعتها ، ولكن يؤكد بالطبع أن الدرس الصوتي عند الهنود قد تقدم هذه الفترة ( القرن الرابع قبل الميلاد ) بزمن غير قصير .
وقد استطاع الهنود معرفة كثير من الحقائق الصوتية ، كتقسيم الأصوات اللغوية بحسب مخارجها وصفاتها ، كما عرفوا الظواهر الأدائية في لغتهم ، كالنبر والتنغيم . ([3])  
وتجدر الإشارة إلى أن ( بانيني ) قام بتقسيم الأصوات في كتابه إلى أربعة أقسام هي : ([4]) .
1- الحركات ومنها الفتحة والضمة والكسرة .
2- والسواكن كالباء والتاء والدال .. إلخ .
3- وسواكن الصغير كالسين والشين .
4- وأنصاف الحركات وهي عنده : الياء والراء واللام .
وكان ترتيب الأصوات ترتيبًا مخرجيًّا ، بدأ بأعمقها مخرجًّا ، وتدرج في الصعود حتى وصل بها إلى الشفتين .
وكان يحدد مجاري الأصوات وعلى أساسها يعرض الأصوات الإنحباسية والاحتكاكية والمنطلقة ( مثل الحركات ) … إلخ .
كما كان يبين مخارج الأصوات ، ويقسم الأصوات تبعًا لذلك إلى شفوية وأسنانية .. إلخ .
ومعلومات أخرى تتصل بالنبر والغنة ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الهوية اللغوية - ماهيتها ووسائل الحفاظ عليها (3)

كتبها د.محمد موسى ، في 29 مايو 2008 الساعة: 10:23 ص

الهوية اللغوية - ماهيتها ووسائل الحفاظ عليها (3)

4- الالتزام بالفصحى في المواقع العربية على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت):

حازت شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)، أهمية كبيرة في عصرنا هذا؛ لسهولة استخدامها، وسرعتها الفائقة في نقل الرسائل والمعلومات، فيسَّرَتْ بذلك الاتصال بين الإنسان وأخيه الإنسان في شتى بقاع العالم، كما يسّرت الاتصال بين الفرد والمؤسسات الحكومية والأهلية، وأصبحت ملتقًى للبشرية جمعاء.

لذا كَثُرت المواقعُ العربيةُ على هذه الشبكة، وهذا في حدّ ذاته شيء محمود، فكثير من هذه المواقع يلتزم الفصحى، وفي ذلك بيان للوجه المشرق لهذه اللغة، وقدرتها على مواكبة العصر، والتعبير عن الأغراض المختلفة.

ولكن ما يُؤسف له أن نجد مواقع بعض الجامعات العربية لا تستخدم اللغة العربية، وإنما تستخدم اللغة الإنجليزية، كما هو الحال في موقع جامعة الإمارات العربية، وعنوانه هو: http://www.uaeu.ac.ae/ ، وكذلك موقع جامعة السلطان قابوس، وعنوانه هو: http://www.squ.edu.om/ ، وموقع جامعة قطر، وعنوانه هو: http://www.qu.edu.qa/main/index.html ، وموقع جامعة الكويت، وعنوانه هو: http://www.kuniv.edu.kw/ .

ونقدنا موجّه إلي تلك الجامعات التي تقتصر في مواقعها على اللغة الأجنبية، أما الجامعات التي تقوم بإنشاء مواقعها باللغة العربية ولغة أجنبية أو لغتين، فلا شك أنّ هذا شيء محمود ولا غبار عليه، فمن الجامعات التي أنشأت موقعها باللغتين العربية والإنجليزية: جامعة البحرين، وعنوانه هو: http://www.uob.bh/ ، وجامعة أبو ظبي وعنوانه هو: /http://www.adu.ac.ae ، أما جامعة دمشق فقد أنشأت موقعها بثلاث لغات هي: العربية والإنجليزية والفرنسية، وعنوانه هو: http://www.damasuniv.shern.net/ .

وأرى أنه كان ينبغي على الجامعات التي أهملت اللغة العربية أن تُعنى بلغتها العربية؛ لأنها دالّة على هويتها، والجامعة - أيّ جامعة - يجب عليها أن تكون في طليعة المحافظين على الهوية ومقوّماتها، لتكون قدوة حسنة لبقية المؤسسات العربية في الحفاظ عليها.

ومما يجب أن يُنَبَّه إليه بشأن هذه الشبكة، ما يعرف بالمدونات الإلكترونية([1]) التي يُعَبِّرُ الأفراد من خلالها عما يريدون.

ومشكلة المدونات التي يقوم عليها عرب، أنها لا تهتم باللغة العربية، بل يختلط فيها الفصيح بالعاميّ والمبتذل اختلاطًا مشينًا، إضافة إلي الكتابة باللغة الإنجليزية، ولو أن أحدهم كتب مدونته كلها باللغة الإنجليزية أو غيرها من اللغات رغبة في مخاطبة الآخر، وتعريفه بالحضارة العربية والإسلامية – مثلاً- ما عابه أحد، أما أن يجعل مدونته خليطًا من هذا وذاك، فهذا هو ما يُعاب عليه.

وواضح من خلال تصفح بعض المدونات أن أصحابها يَعُدون أنفسهم من الشباب الواعي، الذي يحرص على الهوية والقومية وما إلي ذلك، وهذا يفرض عليهم عدم الهروب إلي الكتابة بالعامية أو اللغات الأجنبية بدعوى سهولتها، أو بدعوى أن المحتوى هو المهم، أما اللغة فما هي إلا قالب أو شكل، فإذا كانوا من دعاة الحفاظ على الهوية – كما يقولون - فاللغة من أهم مقوماتها، وإذا كانوا يحاربون تخلف الأمة – كما يزعمون – فكيف يتجاهلون لغتها، وهي من أهم سُبُلِ تقدمها؛ لأنها وسيلة التفاهم والتعلُّم.

ومما سبق يتضح لنا أن شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) يمكن أن تُسْدي أجلّ الخدمات للغة العربية، إذا أحسنّا – نحن العرب – استخدامها، وجعلناها وسيلة نشر لهذه اللغة، وبهذا تكون هذه الشبكة عاملاً مهمًّا من عوامل الحفاظ على الهوية اللغوية.


5- الحفاظ على التراث العربيّ، بالاهتمام بتحقيقه تحقيقًا علميًّا، ونشره:

لقد ترك لنا علماؤنا القدامى ذخيرة علمية، في شتى ميادين العلم والمعرفة، ومن المقرر أنه ليس بين أيدي الأمم الآن من تراثها الفكري المسجل الموثّق، ما للأمة العربية كثرة وتنوّعًا ([2]) ونؤكد – هنا – أن هذا التراث بقي موفورًا يملأ الخزائن العامة والخاصة إلي عهد قريب، وأن ما ضاع منه بسبب غفلة الناس وتفريطهم أكثر مما ضاع بسبب عوادي الحروب والأيام .([3])

وقام الغيورون على هذا التراث بتحقيق بعضه ونشره نشرًا علميًّا أمينًا، وقام آخرون بتحقيق بعضه دون نشره؛ لأن هدفهم تمثل في الحصول على درجة علمية، وبالتالي لم يستفد القارىء العربيّ منه شيئًا يُذكر.

وقد سعد التراث العربيّ بمحققين كان لهم باع طويل في هذا الفن، وأبلوْا فيه بلاءً حسنًا، فأسسوا قواعده، وأقاموا هيكله، وأخرجوا – كثيرًا من كتب التراث - إلي النور، فكانوا – بحقٍّ أعلام هذا الفنّ وجهابذته، من هؤلاء الأفاضل: عبد السلام هارون، وأحمد شاكر، ومحمود شاكر، والسيد صقر، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، ومحمد علي النجار، ومصطفى حجازي، وعزّ الدين التنوخي، وفؤاد سزكين، ومحمد محمود الطناحي، وغيرهم ممن قدّموا للتراث العربيّ أجلَّ الخدمات، وعملوا على إحيائه وتقديمه للقارىء العربي، ولم يألوا في ذلك جهدًا.

والمشكلة الكبيرة – حاليًا – مع  التراث، أن فئة من الناشرين ومَنْ يدَّعون التحقيق، نظروا إلي المَغْنم المادّيّ الذي يعود عليهم من التحقيق، فأساءوا إلى التراث بدعوى تحقيقه؛ لأنهم لم يلتزموا بشيء من الأسس العلمية التي استقرّ عليها (علم تحقيق النصوص ونشرها) على يد العلامة عبد السلام هارون وزملائه أعلامِ هذا الفنّ، ولم يكن لهم من التحقيق سوى كلمة (تحقيق) التي يضعونها إلى جوار أسمائهم على أغلفة الكتب، التي يزعمون تحقيقها، وهذه طامّة كبيرة.

ولا يزال التراث العربي في أمس الحاجة إلي محققين من أمثال رواد هذا الفن، فلا يزال كثير منه طيّ النسيان والإهمال في المكتبات، يعلوه الغبار، وتأكلُه الأَرَضَةُ، مع أنه يحمل في طياته هوية هذه الأمة، وتاريخها، وحضارتها، وآدابها، وعلومها …الخ، والعملُ على تحقيقه بإقامة نَصِّه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الهوية اللغوية - ماهيتها ووسائل الحفاظ عليها(*)(ا)

كتبها د.محمد موسى ، في 25 مارس 2008 الساعة: 15:33 م

 

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين.

وبعد..

فإنّ العالم يعيش الآن عصرًا تُطوى فيه المسافات، وتتمازج الثقافات، بسبب ما يشهده من ثورة في عالم الاتصالات، وأصبح من نافلة القول أن نقول: إن العالم أصبح قرية صغيرة، ما يدور في شمالها، يسمعه مَنْ في جنوبها ويراه في نفس اللحظة، وساعد على ذلك انتشار القنوات الفضائية، وشبكة المعلومات العالمية (الإنترنت).

وعمدت أمريكا – باعتدادها القوة العظمى حاليًا – إلى العمل على نشر ثقافتها، وعاداتها، وتقاليدها…الخ وذلك عن طريق ما يسمى بالعولمة، أو كما سماها بعض المراقبين والمحللين بالأمركة، هذه العولمة التي تهدف (ضمن ما تهدف) إلى إلغاء الهوية المحلية، أو الإقليمية، والعمل على تذويبها في الهوية الغربية عمومًا، والأمريكية خصوصًا، وبذلك دخل العالم فيما يمكن أن يطلق عليه " حرب الهوية " إذ تحاول كل أمّة الحفاظ على لغتها، وثقافتها، وعاداتها…الخ لتظل لها هويتها اللغوية والثقافية، التي تميزها عن غيرها من الأمم.

والأمّة الإسلامية العربية ليست بمنأى عن ذلك كله، لذا وجب على أهلها العمل من أجل الحفاظ علي هويتهم بكل مكوناتها، من دين، ولغة، وثقافة، وتاريخ…الخ.

واللغة (أيّ لغة) أهم مظهر تتجسد فيه الهوية وتتشكل، وأهم مُقَوِّم من مقوماتها، حيث إنها الوعاء الذي تنتقل بواسطته الأفكار.

وانطلاقًا من هذه الأهمية وجدت لديّ رغبة في أن أُدلي بدلوي في قضية الهوية اللغوية في عصر العولمة، واخترت أن يكون بحثي بعنوان " الهوية اللغوية – ماهيتها – ووسائل الحفاظ عليها ".

وفي هذا البحث حاولت إلقاء الضوء على مُكوِّن من مكونات الهوية للأمة الإسلامية العربية، ألا وهو اللغة العربية، فبينت المقصود بالهوية اللغوية، وضرورة العناية باللغة العربية للحفاظ على الهوية، ثم تحدثت عن وسائل الحفاظ على الهوية اللغوية للغتنا العربية، مثل: الاعتزاز بالفصحى، وإحياء النظريات اللغوية العربية القديمة، والاهتمام باللغة العربية في وسائل الإعلام المختلفة، وفي المواقع العربية، على شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت)، والحفاظ على التراث العربي، والاهتمام باللغة العربية في مراحل التعليم المختلفة.

ثم كان الحديث بعد ذلك عن بعض الأمور التي لا تتناقض مع الهوية اللغوية، مثل: الاستفادة من المناهج الحديثة في دراسة اللغة العربية، والتعريب عند الحاجة، لإثراء اللغة العربية، والترجمة إلى اللغة العربية، وتعلُّم اللغات الأجنبية، ثم أنهيت البحث بذكر أهم النتائج التي توصلت إليها.

وأخيرًا أرجو أن أكون وُفِّقت إلي ما قصدت إليه " وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب".

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد،

وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.

                            أوّلاً: تعريف الهُوِيَّة اللغويّة:

في البداية نُعرف الهويّة – كما ذكرها المختصون - ليكون ذلك مدخلاً لتعريف الهوية اللغوية.

عرّفَ الجُرْجاني (ت816هـ) الهُوِيَّة بأنها " الحقيقة المطلقة، المشتملة على الحقائق، اشتمال النَّواة على الشجرة في الغيب المطلق".([1])

وجاء في (المعجم الوسيط) أن الهُوِيَّة – في الفلسفة – هي " حقيقة الشَّيء أو الشَّخص التي تميزه عن غيره، والهُوِيَّةَ: بطاقة يُثَبَّتُ فيها اسمُ الشَّخص وجنسيتهُ ومولدُهُ وعملُه ".([2])

وعلى ذلك فالهُوِيَّة تعبّر عن حقيقة الشيء المطلقة، أو حقيقة الشخص التي تعبّر عن صفاته الجوهرية، التي بها يتميز من غيره.

وتتكون الهوية العامة للمجتمعات من عدّة عناصر، منها:

1- الانتماء العرقي، فكل جنس له ما يميزه، فمن المعروف أن الجنس العربي غير الجنس الإنجليزي مثلاً، وهما غير الجنس الهندي وهكذا، وقد برز " اهتمام الناس بأنسابهم والفخر بها، وتسجيل أنسابهم، وللعرب القِدْحُ المُعَلَّى في الفخر بالعروبة والقبيلة وفي تسجيل الأنساب، حتى إنهم سجلوا أنساب خيولهم ".([3])

2- الدين، وهو عامل أساس في تشكيل الهوية، وأرى أنه من الخطأ تجاوزه، بزعم إدخال أبناء المعتقدات المختلفة في بوتقة واحدة، وستأتي الإشارة إلي هذا الرأي.([4])

3- الثقافة، فلكل مجتمع ثقافته وعاداته وتقاليده، فالثقافة " تشمل كل الأعراف والقيم، وقوّةُ الانتماء هنا ترتكز على تأصل العادات والأعراف وسيطرتها على كل مستويات المجتمع لتخلق بيئة باطنية تتكيف النفس بها وتعاني عند فقدها، ، كما ترتكز قوّةُ الانتماء هنا على عمق القيم وارتباطها بالجانب الروحي، أي بالعقيدة الدينية من ناحية، وبمقتضيات البيئة وإملاءاتها التي تناسب طبيعة أهلها – من ناحية أخرى، فيشتد تمسك الإنسان بها، ويختلّ توازنه وسلامه النفسيّ – أحيانًا تقصر أو تطول – لفقدها ".([5])

4- اللغة، وهي وإن كانت ضمن الانتماء الثقافي إلا أن أهميتها البالغة تجعلها عنصرًا قائمًا بذاته؛ لأن اللغة تعبر عن الفكر، وهو أخصّ خصائص الإنسان      " فالفكر هو لبّ الذات، واللغة من الفكر بمثابة البدن من الروح؛ لأنها أداته وصورته التي يتجلّى فيها، فهي مِنْ ثَمَّ صورة الذات الممثلةُ لها، وهي صورة ضرورية لا يستغني عنها المرء إلا بمقدار استغنائه عن آدميته، وهو لذلك يعتز بها اعتزازه بنفسه، واعتزازه بالخاصّة التي تفرق بينه وبين الحيوان ".([6])

والهويّة بالنسبة للإنسان – مثلاً – عرّفَها أحد الباحثين " بأنها الشفرة التي يمكن للفرد عن طريقها أن يُعَرِّف نفسه، في علاقته بالجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها، والتي عن طريقها يتعرف عليه الآخرون باعتباره منتميًا إلى تلك الجماعة ".([7])

وذهب باحث آخر إلي أنها " أنماط السمات التي يمكن ملاحظتها أو استنتاجها، والتي تميز شخصًا في نظر نفسه وفي نظر الآخرين ".([8])

ومما سبق يمكن القول بأن الهُوِيَّة اللغويّة هي: مجموع السمات التي تُميّز لغة من غيرها، وبها يتميز قوم من غيرهم في وسيلة التفاهم والتواصل.

والمقصود هو وسيلة التفاهم العامة، التي يجري التعامل بها على مستوى القوم كلهم، وبها تُلْقَى الخطبُ والأحاديثُ العامةُ، وتُؤلّفُ الكتبُ…الخ، وبذا تُنَحَّى اللهجات الخاصّة.

فالهوية بالنسبة للغة العربية تتمثل في المستوى الفصيح منها، والالتزام بإخراج كل حرف من مخرجه، و خَطّها الذي تُكْتب به.


ثانيًا: العناية باللغة ضرورة للحفاظ على الهوية:

الحفاظ على الهوية - بكل ما تشتمل عليه من: دين، ولغة، وتاريخ، وثقافة، وعادات وتقاليد - يعنى الحفاظ على الذات من الذوبان في التيارات الوافدة علينا، والعولمة قد تجرّ إلي " ذوبان الخصوصية والانتقال من الخاصّ إلى العامّ، ومن الجزئيّ إلى الكليّ، ومن المحدود إلى الشامل، ومن المتعيَّن إلى اللامتعيَّن، وعلى خلاف ذلك يأخذ مفهوم الهوية اتجاهًا متقاطبًا كليًّا مع مفهوم الشمولية والعمومية، فالهوية انتقال من العامّ إلى الخاصّ، ومن الشامل إلى المحدود، ومن اللامتعيَّن إلى المتعيَّن، فمفهوم الهوية يبحث عن التمايز والتباين والمجسّد والمشخّص والمتفرّد والمعيّن، أما العولمة فهي بحث لا ينقطع عن العام والشامل والمجرد والمتجانس واللامحدود ".([9])

ولِمَا تحوزه اللغة من أهمية كبيرة في الحفاظ على الهوية للحضارة العربية، لم يستطع أحد من الباحثين - رغم اختلاف توجهاتهم - أن يسقطها من أركان الهوية " فالنهضة الحضارية انطلقت في القرن التاسع عشرَ مستلهمة الفيض الروحي، فأقامت تصوّرًا للهوية عناصرُه الدينُ واللغة والتأويل، وهذا التأويل مداره النص والتاريخ، وامتدّ هذا الاستلهام بدفقه على مدى القرن العشرين حتى أصبحت تلك الثلاثية عقدًا جامعًا للصحوة مهما اختلفت النّحل والأجناس، وانعطف على ذاك التصوّر لأركان الهوية تصوّرٌ قوميٌّ أولٌ كانت دعائمُه النّسبَ واللغةَ والدينَ، والنسب ه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الهوية اللغوية - ماهيتها ووسائل الحفاظ عليها (4)

كتبها د.محمد موسى ، في 3 يوليو 2008 الساعة: 07:53 ص

الهوية اللغوية - ماهيتها ووسائل الحفاظ عليها (4)

رابعًا: أمور لا تتعارض مع الهوية اللغوية للغتنا العربية:

فيما سبق حرصنا على الحديث عن بعض سبل الحفاظ على الهوية اللغوية، والآن نتحدث عن يعض الأمور التي لا تتعارض – في رأينا - مع الهوية اللغوية للغة العربية، والتي منها:

1- الاستفادة من النظريات الحديثة في دراسة اللغة العربية:

العلم من شأنه أن يتطور ويجدّ منه جديدٌ كلّ يوم، ولا يفتأ العلماء في شتى أنحاء المعمورة يبحثون وينقبون عما عساه أن يفيدهم في دراساتهم، ويقدم لهم المزيد من النتائج المرجوّة في المجالات العلمية المختلفة.

والدراسات اللغوية ليست بمعزل عن ذلك كله، فبين الحين والآخر تُستحدث نظريات يُرْجَى من ورائها فهمٌ أفضل للقضايا اللغوية، ويحاول بعض المعنيين بقضايا اللغة العربية تطبيق بعض هذه النظريات على لغتنا العربية، والاستفادة منها في التحليل اللغويّ، وهذا لا غبار عليه طالما كان التطبيق ممكنًا.

فالاستفادة من النظريات المستحدثة في الدرس اللغويّ، لا يشكل – في رأينا – انتقاصًا من اللغة ولا من هويتها، ولكن المهمّ هو وجود استفادة حقيقية لا متوهّمة، وأن تساعد هذه النظريات على إظهار خصائص اللغة والكشف عنها، وسبر أغوارها، وأن تكون صالحة للتطبيق على لغتنا، وتقدم لنا مزيدًا من المناهج النافعة في دراستها، أمّا أن نصبح – أمام هذه النظريات – مجرد معجبين بها، وكلُّ ما يشغلنا هو محاولة تطبيقها قَسْرًا على اللغة العربية، دون مراعاة للبيئة التي نشأت فيها تلك النظرية، فهذا لا يجوز بحال من الأحوال؛ لأن هذه النظرية أو تلك - وإن كانت صالحة للتطبيق على اللغة التي نشأت من أجلها - قد تكون غير صالحة للتطبيق على لغتنا؛ لاختلاف خصائص كلّ من اللغتين.


2- التعريب عند الحاجة:

اللغة كالكائن الحيّ، تحيا ألفاظ وتموت أخرى، وتُسْتَجدّ علوم وفنون تحتاج إلي التعبير عنها، وتزداد الحاجة إلي المصطلحات اللغوية كلّما تطور الشأن الحضاريّ للأمم.

ولغتنا العربية – شأنها شأن غيرها من اللغات – في تفاعل مستمر، تأخذ من غيرها وتعطي؛ ولكن بسبب ما يشهده العالم العربيّ – حاليًا – من تأخّر في الجانب الماديّ من الحضارة، نجد أن أخذ اللغة العربية من غيرها هو الحال المسيطر عليها، وذلك للتعبير عن مستجدات الحضارة، وعلوم العصر، التي يقف العرب أمامها موقف الناقل لا المبدع.

لكنّا نشير- هنا – إلي ما ذهب إليه العلماء من ضرورة محاولة صياغة المصطلح أوّلاً عن طريق الاشتقاق، أو المجاز، أو النحت، أو التركيب ([1])، فإذا لم نوفَّق – من خلال هذه الطرق- إلي المصطلح الملائم، يمكننا – حينئذ – اللجوء إلي التعريب، فهو آخر ما يُلْتجأ إليه في النقل، عندما لا توجد كلمة عربية تترجم بها الكلمة الأعجمية، أو يشتق منها اسم أو فعل، أو يتجوز منها مجاز، أو ينحت منها لفظ، فحكم الناقل هنا حكم المضطر يركب الصعب من الأمور، ولا ضير عليه وقتئذ .([2])

واللجوء إلي التعريب عند الضرورة هو – كذلك – ما ذهب إليه مجمع اللغة العربية بالقاهرة في قراره الذي يقول : « يُجيز المجمعُ أن يستعمل بعض الألفاظ الأعجمية - عند الضرورة - على طريقة العرب في تعريبهم ».([3])

والتزامنا بذلك يجعل التعريب عند الحاجة لا يتعارض مع الهوية اللغوية، بل يُعدّ مصدر ثراء لهذه اللغة، وشهادة على مدى تقبّلها للألفاظ الدخيلة والمعرّبة، وأنها تستوعبها في معجمها اللغويّ، بل تأخذ هذه الألفاظ حكم الألفاظ العربية من حيث جواز الاشتقاق منها، أي أنها تُعامَل معاملة اللفظ العربيّ، حسب ما ذهب إليه علماء العربية – قديمًا وحديثًا - في هذا الشأن.([4])

والتعريب وإن اشتدت الحاجة إليه في عصرنا هذا؛ بسبب الوضع العربيّ الراهن، فليس معنى ذلك أنه أَمْرٌ طارئ على اللغة العربية، بل عرفته العربية من قديم الزمن، فالعرب لم يكونوا أمة منعزلة عن بقية الأمم المجاورة لهم، وإنما كانوا يختلطون بغيرهم من أبناء الأمم الأخرى، فدخلت في لغتهم ألفاظٌ من لغات الأمم المجاورة، وعندما جاء الإسلام بذل المسلمون قصارى جهدهم من أجل نشره بين أمم الأرض، ففتح الله - عز وجل - على أيديهم بلاد فارس والروم، كما فُتحتْ مصر والعراق وبلاد الشام، وغير ذلك من البلاد التي لم تكن - قبل ذلك - تتحدث باللغة العربية، وما إن دخل الإسلامُ هذه البلادَ المفتوحة إلا وبذل أهلها جهدهم، في تعلُّم اللغة العربية لغة القرآن الكريم؛ وبسبب ذلك دخلت ألفاظ من لغات أهل هذه البلاد في اللغة العربية، ونطق بها العرب، وأصبحت جزءًا من لغتهم، بعد أن عرَّبوها وهذَّبوها، ولم يقل أحد - فيما أعلم - بأن ذلك من شأنه إضعاف اللغة العربية، أو الانتقاص من هويتها، بل إن أحد الباحثين ذهب إلي أن هذا التقبُّلَ للمعرّب يُعدّ خصيصة من خصائص العربية؛ حيث يرى أنّ مقدرة لغةٍ ما على تَمَثُّل الكلام الأجنبيّ تعدّ مزية وخصيصة لها إذا هي صاغته على أوزانها، وأنزلته على أحكامها، وجعلته جزءًا لا يتجزأ من عناصر التعبير فيها .([5])


3- الترجمة إلي اللغة العربية:

تُعَدُّ الترجمة رافدًا مهمًّا من روافد نشر العلم والثقافة في المجتمعات، وتعمل على بناء جسور تصل الأمم بعضها ببعض، ونَقْل أحدث ما وصل إليه العلم من بلدٍ إلي بلد؛ لذا حازت الترجمة – قديمًا وحديثًا – أهمية كبيرة في نهضة الأمم، إذ تلجأ جميع الأمم إلي نقل العلوم والمعارف عن طريق الترجمة، والأمة العربية شأنها – في ذلك - شأن غيرها من الأمم،  ويشهد تاريخ النهضات بأن الأمم حين تهمّ بالنهوض والتيقّظ بعد سُبات، تتلفت إلي ماضيها، وتعمل على إحيائه، وتزيد فتتصل بالأمم ذات الحضارات وتترجم تراث ماضيها وحاضرها معًا، هكذا فعل العرب المسلمون إبّان يقظتهم في عصر الإسلام الذهبي أيام بني العباس، وهكذا فعلت أوروبا في عصر النهضة التي بدأت بالعصر المدرسيّ، وبلغت ذروتها إبّان القرنين الخامس عشر والسادس عشر لميلاد المسيح .([6])

وفي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الهوية اللغوية ما هيتها ووسائل الحفاظ عليها (2)

كتبها د.محمد موسى ، في 5 أبريل 2008 الساعة: 14:38 م

ثالثًا: وسائل الحفاظ على الهُوِيَّة للغة العربية:

من المؤكد أن هناك وسائل عديدة للحفاظ على الهوية للغتنا العربية، وسنقف – بإذن الله تعالى- مع بعضها في السطور التالية.

1- الاعتزاز باللغة العربية:

اللغة العربية هي لغة الوحي المنزل، ولغة العلم والأدب، ووسيلة التفاهم بين أبناء الأمة العربية، وهي اللغة التي استوعبت الحضارة العربية الإسلامية إبّان ازدهارها، فعن طريق الترجمة إليها انتقلت بعض حضارات الأمم الأخرى كالحضارة الفارسية ، والهندية، واليونانية الرومانية، إلي فلاسفة المسلمين وعلمائهم، ثم إلي أوروبا إبّان عصر النهضة، وهي لذلك كله جديرة بالاعتزاز بها، والاهتمام بشأنها، وصرف المجهود لرفع رايتها، ولِمَ لا وهي وعاء الوحي المنزل، قال تعالى: (إنّا أنزلناه قرآنًا عربيًّا لعلكم تعقلون) [ يوسف:2] وهي محفوظة بحفظ القرآن الكريم، قال تعالى: (إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون) [ الحجر:9] فحفظ القرآن يستلزم حفظ اللغة التي نزل بها.

وقد بلغ من اعتزاز سلفنا الصالح باللغة العربية، والحرص عليها، أنهم ضحَّوْا براحتهم من أجلها، وقطعوا المسافات الطويلة واغتربوا، وتركوا الأهل والديار لجمع مفرداتها،  فلقد بذلوا كثيرًا من جهودهم وأوقاتهم، من أجل الحفاظ على لغة القرآن الكريم، فنزلوا البوادي، وشافهوا الأعراب، وحفظوا عنهم ما سمعوه، كما أضافوا إلى الحفظ التدوينَ، وحرصوا على سلامتها، ودفْع ما عساه أن يشينها، فكانوا – بذلك – أُمناء على هذه اللغة الشريفة، فالكسائي   (ت 189هـ) – مثلاً - سأل الخليل بن أحمد (ت 175هـ) قائلا: من أين أخذت علمك هذا؟ قال له: من بوادي الحجاز ونجد وتهامة، فخرج الكسائي إلى البادية، ثم رجع بعد أن أنفد خمس عشرة قنينة حبر في الكتابة سوى ما حفظ.([1])

وأكد ابن قتيبة (ت 276هـ) أهمية اتساع العلم باللغة العربية في فَهْم القرآن الكريم فقال: " وإنما يعرف فضل القرآن مَنْ كثر نظره، واتسع علمه، وفَهِمَ مذاهب العرب وافتنانها بالأساليب، وما خصّ الله به لغتها دون جميع اللغات "([2]).

وعقد ابن جني (ت 392هـ) في كتابه (الخصائص) بابًا بيّن فيه أهمية العلم باللغة في فهم القرآن والسنة، وجاء هذا الباب تحت عنوان (باب فيما يُؤمنه علم العربية من الاعتقادات الدينية) وصدّره بقوله: " اعلم أن هذا الباب من أشرف أبواب هذا الكتاب، وأن الانتفاع به ليس إلي غاية، ولا وراءه من نهاية، وذلك أنّ أكثر من ضلّ من أهل الشريعة عن القصد فيها، وحاد عن الطريقة المُثلى إليها، فإنما استهواه، واستخفّ حلمه، ضعفُه في هذه اللغة الكريمة الشريفة "([3])

وأشار الإمام ابن تيمية (ت 728هـ) إلي تأثير اللغة في العقل والخُلُق والدِّين، وأهميتها في فهم القرآن والسنة  فقال: " واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخُلُق والدِّين تأثيرًا قويًّا بيِّنًا ويؤثر- أيضًا– في مشابهةِ صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابَهَتُهُم تزيد العقل والدِّين والخُلُق، وأيضًا فإن نفْس اللغة العربية من الدِّين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يُفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ".([4])

وحذّر ابنُ تيمية من إهمال اللغة العربية وعدّ ذلك من التشبُّه بالأعاجم فقال: " وأمّا اعتياد الخطاب بغير العربية التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن، حتى يصير ذلك عادة للمِصْرِ وأهله، ولأهل الدار، وللرجل مع صاحبه، ولأهل السوق، أو للأمراء، أو لأهل الديوان، أو لأهل الفقه فلا ريب أنّ هذا مكروه، فإنه من التشبه بالأعاجم وهو مكروه ".([5])

وسار على الدرب كثير من علماء العربية، فنالهم العزّ بالانتساب إلي العربية، ونالها العزّ بالانتساب إليهم، وبسبب ذلك انتشرت العربية في كثير من ربوع العالم، " حتى أن روجر بيكون، الذي يعتبر من أوائل الذين حملوا العلوم الإسلامية إلي الأجيال الأوربية التالية، كان يعجب ممن يريد أن يبحث في الفلسفة وهو لا يعرف اللغة العربية "([6]).

 ودار الزمان دورته، فوجدنا عربًا يخجلون من لغتهم، ويلتمسون الفخر في الانتساب إلي غيرها، والحديث بلغة أجنبية، أو – على الأقل – إظهار المعرفة بغير العربية، حتى لو كانت تلك المعرفة لا تتعدّى كلمات معدودة، ويخجل أحدهم – ممن له علم بلغة أجنبية – من أدنى خطأ في تلك اللغة، في الوقت الذي لا يُقيم فيه جملة عربية، ولا يهتم بذلك، مع أنه " كان يُمكن لحاضر اللغة العربية أن يكون أكثر ازدهارًا من ماضيها، لو أن الأجيال العربية الحاضرة أظهرت قدرًا من الاعتزاز بلغتها، والعناية بحسن استعمالها، ولكن الأجيال الحاضرة حين فقدت فاعليتها الثقافية، وأصبحت عالة على الغرب، لم تعد تغار على تراثها الذي هو أول مقوِّمات هويتها، وبخاصة فيما يتصل من هذا التراث بالجانب التطبيقي من الدين واللغة ".([7])

وبناء على ذلك فنحن مطالبون بالإيمان " بأننا أمة ينبغي أن تعتز بماضيها، إذا كانت تريد أن تعز في حاضرها، ونؤمن بأن الفصحى التي حملها العرب الأولون ليفتحوا بها أوطانًا، ويغزوا بها لغات ورطانات في الشرق وفي الغرب، هي – دون العاميات – الرباط الوحيد الذي يمكن أن يجمع العرب في كل مكان ".([8])

ومما يؤسف له ما صرح به رئيس الجامعة الأمريكية بالقاهرة (ديفد أرنولد) من " أن كثيرًا من خريجي الجامعة الأمريكية في القاهرة يعملون في السلك الدبلوماسي المصري بالرغم من أنهم «لا يجيدون العربية»، وقال: العديد من المسئولين في السفارات المصرية والقنصليات حول العالم بمن فيهم السفير …([9]) ممن تخرجوا في الجامعة الأمريكية في القاهرة، وأكبر تحدٍّ يواجههم هو لغتهم العربية التي هي ليست علي ما يرام بالضبط.

وأكد أرنولد أن الكثير من خريجي الجامعة الأمريكية وصلوا إلي مناصب مهمة في الحكومة المصرية، رغم عدم إتقانهم العربية، وأشار إلي أنهم يعملون الآن كمستشارين في البنك المركزي وفي وزارة المالية ويتم جذبهم إلي مناصب الخدمة العامة ".([10])

واللغة العربية هي لغة الوحي المنزل ووعاؤه – كما سبق – وليس معنى ذلك أنها لغة دينية، كما ذهب إلي ذلك المؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي، فالعربية كما هي لغة الوحي المنزل فهي – كذلك – لغة العلم والأدب، فقد أعانت الشعراء والأدباء – على مرّ العصور – على التعبير عما يدور في أذهانهم، ويعتمل في نفوسهم، فصاغوا بها أرَقّ القصائد، وأجمل المقطوعات النثرية، وصِيغتْ بها كلّ الأشكال الأدبية المعروفة صياغة عالية، وقد استفادت اللغة العربية من نزول القرآن الكريم بها فوائد عظيمة، أشار إليها إجمالاً أحد الباحثين في حديثه عن أثر علم القراءات القرآنية على الدرس اللغوي، فقال:   " الحق أنّ تدوين علم القراءات([11]) أفاد المسلمين فائدة لم تحظ بها أمة سواهم، وذلك أنّ البحث في مخارج الحروف، والاهتمام بضبطها على وجوهها الصحيحة، لتيسير تلاوة كلمات القرآن على أفصح وجه وأبينه، كان من أبلغ العوامل في عناية الأمة بدقائق اللغة العربية الفُصْحى وأسرارها ".([12])

 " أما شبهة اللغة الدينية، فإن الداعي إليها…هو أن الدعاة والمبشرين والمستعمرين، لما دخلوا بلاد الإسلام في إفريقية والهند وغيرهما، ورأوا الطفلَ الصغيرَ والجاريةَ والغلامَ، كلَّهم يحفظ القرآن عن ظهر قلب، ويتلوه في صلاته خاشعًا باكيًا، ورأوا أن بعضهم لا يعرف من العربية إلا ما يحفظ من القرآن، ولا يحسن يقرأ شيئًا من العربية إلا القرآن، ظنوا أن ذلك كذلك، لأن اللغة العربية لغة دينية، وهذا ظن سخيف جدًّا عندنا بالطبع؛ وذلك لأن كل مسلم، عربيًّا كان أو غير عربيّ يعلم علمًا يقينيًّا أن القرآن كلام الله، وأن مجرد تلاوته عبادة يثاب المرء عليها، وحفظَه عبادة أخرى، وفهمَه عبادة ثالثة، والتفقُّهَ في معانيه عبادة رابعة، والنظرَ في كتابته عبادة خامسة، ولكل شيء من هذه العبادات ثواب، فضلاً عن أنه كلام الله الذي يفارق كلام البشر من كل وجه، وهو من الله وإليه، يتعبد المسلم بأن يستودعه صدره، لأنه كلام ربه، وعلى هذا المسلم بعد ذلك أن يتعلم إن استطاع لغة القرآن، ليفهمه ويتفقه فيه، وذلك خير ما يفعل، وإلا اقتصر - إذا لم يستطع - على معرفة دينه بلسانه هو، ودينه هو ما يتضمنه القرآن والحديث، مما يشمل كل صغيرة وكبيرة في حياته الخاصة أحيانًا، وحياته العامة أحيانًا أخرى…وهذا كافٍ في الدلالة على أن اللغة الفصحى، أو اللغة العربية، ليست لغة دينية بالمعنى الذي تُعدُّ به اللاتينية – مثلاً – لغة دينية ".([13])

واللغة العربية صالحة لمواكبة النهضات العلمية في كل العصور، بدليل أنها لم تجمد أمام التطور الحضاريّ الذي حدث في العصر العباسيّ، بل استوعبت ذلك التطور، و

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb